القاضي عبد الجبار الهمذاني
462
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : أفتقولون إنه تعالى إذا تعبدكم بتأديب الأولاد أنه قد يضمن لهم العوض ؟ قيل له : كذلك نقول ، لأنه لولا ذلك لما حسن منه أن يوجبه ويأمر به . فإن قال : فإذا كان ما تفعلون بهم من الإضرار على طريق التأديب يوصل إلى نفعهم « 1 » في دار الدنيا ، فهلا قلتم إنه إنما حسن لذلك ؟ قيل له : إن هذا الكلام يحتوى على ما نبينه ، وهو أنه تعالى له بإيجاب ذلك فعل ، وللوالد إذا أخذ ولده بالتأديب فعل . ولنفس الولد إذا تأدب وبعلمه فعل . فلا بد في كل واحد من هذه الأفعال أن يختص بوجه حسن ، لا يقوم الواحد من ذلك مقام صاحبه . فهو تعالى يبيح ذلك ويتعبد به لتضمن العوض على ما قدمناه . والوالد إنما يحسن منه ذلك لما يرجوه من النفع لولده ، أو للسرور الحاصل له بما يتولاه من تدبيره ؛ لأن بذلك يخرج ما يتكلفه من أن يكون ظلما قبيحا . وما يفعله الوالد إنما يحسن / لأنه في حكم النفع لما يؤدى إليه عن طريق القطع أو للظن . فحسن منه لأجله كما يحسن منه الأكل والتعمل « 2 » لسائر المنافع . فإذا صحت هذه الجملة ، لم يجز أن يقال إن وجه إباحته تعالى هو ما يؤدى إليه من النفع . يبين ذلك أنه قد يحصل ذلك وقد لا يحصل ؛ والحال فيما أباحه تعالى أو ألزمه لا يختلف . ويبين ذلك أنه متى وصل بما يكلفه إلى المنافع ، فليست المنفعة واقعة بما أباحه تعالى ، وإنما هي واقعة بعلمه وفضله اللذين اكتسبهما . فلا بد في حسن ما ألزمه وأباحه مما ذكرناه . وأما ما يفعله الإنسان بنفسه من الآلام ، فيجب أن ينظر فيه . فإن كان مما يحسن بالإباحة ، فلا يمتنع أن يستحق به العوض لما ذكرناه من الدليل . وإن كان ذلك يحسن عقلا - لا إباحة واردة عنه تعالى - وإنما يحسن منه للنفع ودفع الضرر
--> ( 1 ) في الأصل نفعه . ( 2 ) يظهر أنه يقصد العمل .